اسماعيل بن محمد القونوي
459
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فيصير إلى أن أصل طبعه مائل إلى الطاعة بالفطرة فانتقل منه إلى ذلك بسوء اختياره . قوله : ( مستحسنا إياها معتقدا أن لا لذة سواها مبغضا لمن يمنعه عنها ) قال المصنف في تفسير قوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] وهذا مرتبة الجحود من درجات الفسق فإذا شارف العبد هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ولابس الكفر انتهى وهذا البيان يشعر بأن المراد بالخطيئة المفسرة بالكفر الكفر العارضي فلا يتناول الكفر الأصلي وهذا بعيد جدا ( مكذبا لمن ينصحه فيها كما قال اللّه تعالى ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى [ الروم : 10 ] إذ لا يرى قبحه ولا يسمع ضره إذ حب الشيء يعمي ويصمي فحينئذ ختم على قلبه وعلى سمعه وبصره فيعتقد أنه حسن ويفرح به قال تعالى : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [ الروم : 32 ] ثم تأييد ذلك التحقيق بهذه الآية بناء على كون أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ [ الروم : 10 ] بدلا أو عطف بيان للسوء أو خبر كان وأما في احتمال كونه علة له وكذا سائر الاحتمالات مما سوى المذكورات فلا يؤيد هذا التحقيق كما يظهر لمن تأمل كلام المصنف هناك وهذا الكلام أيضا ينبئ عن كون الكلام في الكفر العارضي ويمكن أن يقال إن الكفر الأصلي معلوم حاله مستغن عن البيان ومن هذا حاول التحقيق وبين الكفر العارضي وما جر إليه من حب المعاصي ( وقرأ نافع خطيئاته وقرىء خطيته وخطياته على القلب والإدغام فيهما ) . قوله : ( ملازموها في الآخرة ) مستفاد من الصحبة فإنها في العرف مختصة بطول الصحبة والملازمة وإن كانت في الأصل شاملة للقليل والكثير ولذا سمي من لقي النبي عليه السّلام ولو مرة صحابيا ( كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا ) وملازمة أسبابها وهي الكفر والجمع باعتبار أنواعه أو هي الكفر وسائر المعاصي وإن كانت متناهية بحسب الكم لكنها غير متناهية قبحا بحسب الكيف وملازمة النار غير متناهية كما ومتناهية كيفا فكانت تلك الملازمة وذلك الخلود جزاء وفاقا . قوله : ( دائمون ) والخلود وإن كان وضعه للأعم من الدوام وغيره من المكث الطويل لكن المراد به هنا الدوام لما يشهد له من الآيات والسنن من أن الكافر مؤبّد في النار بدلالة تقييد الخلود بأبد أو للإجماع عليه والسنن بحيث يكاد إلى التواتر معنى قوله ( أو لابثون لبثا طويلا ) هذا إن أريد به صاحب الكبيرة وبعد نقل تفسير السلف الخطيئة بالكفر وتحقيق ذلك بما لا مزيد عليه الأولى والأحسن أن لا يتعرض لقوله أو لابثون لبثا طويلا لأن تفسيرها بالكبيرة مسلك الشيخ الزمخشري مخالفا لتفسير السلف وهو ابن عباس وأبو هريرة وابن جرير ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع بن أنس كذا نقل عن الشيخ السيوطي وغاية ما يقال إنه تعرض له لبيان الآية لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة وإن أريد به الكبيرة . قوله : دائمون أو لابثون لبثا طويلا الأول على أن المراد بالسيئة الكفر والثاني على أنها غيره مما ارتكبه عصاة أهل الإيمان .